تزايد حدة النقاشات السياسية والاقتصادية في النرويج بعد طرح مقترح حكومي جديد يقضي بتخفيض الضرائب على الأفراد والشركات الصغيرة. وبينما يرى مؤيدو الخطوة أنها استجابة ضرورية للأزمة المعيشية وتراجع ثقة المستهلك، يحذر منتقدون من تأثيرها المحتمل على تمويل الخدمات العامة، واصفين المقترح بـ”الرهان المالي غير المحسوب”.
أزمة معيشية وضغوط سياسية
جاء المقترح في وقت تشهد فيه البلاد موجة تضخمية ملحوظة، وضعفًا مستمرًا في الكرونة النرويجية، وارتفاع تكاليف الحياة اليومية. وهو ما دفع عدداً من الأحزاب إلى الدعوة لتخفيف العبء الضريبي عن ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، من أجل حماية القوة الشرائية وتحفيز النشاط الاقتصادي.
انتقادات من المعارضة
زعيمة حزب اليسار، بريده بريينا، انتقدت المقترح بشدة، معتبرة أنه “رهان مالي محفوف بالمخاطر”، يمكن أن يؤدي إلى تراجع في جودة الرعاية الصحية والتعليم، إذا لم يُرفق بضمانات تمويل واضحة. وأضافت: “لسنا ضد الإصلاح، ولكن ليس على حساب رفاهية الناس الأساسية”.
موقف الحكومة
رغم أن المقترح لم يُقدم رسميًا كجزء من ميزانية الدولة بعد، فإن الحكومة برئاسة حزب العمال لم تستبعد مبدأ خفض الضرائب، لكنها أكدت أن أي خطوة في هذا الاتجاه “تتطلب موازنة دقيقة بين خفض العبء على المواطنين، والحفاظ على استدامة المالية العامة”، وفقًا لما قاله المتحدث باسم وزارة المالية.
البحث عن تمويل بديل
وسط الجدل، اقترحت مراكز أبحاث وعدد من الاقتصاديين حلولاً بديلة لتغطية النقص المحتمل في عائدات الدولة في حال إقرار التخفيضات، منها:
رفع الضرائب البيئية على الصناعات عالية الانبعاثات.
تقليص الدعم الحكومي غير المنتج، خصوصًا في مجالات الطاقة والزراعة.
تشديد الرقابة على التهرب الضريبي، لا سيما بين كبرى الشركات الرقمية والعابرة للحدود.
ورأت صحيفة Aftenposten في افتتاحيتها أن “السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الضرائب يمكن أن تنخفض، بل كيف نضمن أن أي تخفيض لن يتحوّل إلى عبء مؤجل على الأجيال القادمة”.
تفاعل الرأي العام
أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة Norstat لصالح هيئة البث النرويجية (NRK)، أن أكثر من نصف المشاركين يؤيدون تخفيضًا ضريبيًا معتدلًا، شرط ألا يُحدث ضررًا بالخدمات الأساسية. في المقابل، أبدى نحو 40٪ قلقًا من فقدان التوازن في السياسات الاجتماعية.
مستقبل القرار
من المتوقع أن يُطرح المقترح للنقاش الرسمي ضمن جلسات الخريف البرلمانية، وسط مؤشرات على انقسام داخل التكتلات السياسية الكبرى. ورغم غياب اتفاق شامل حتى الآن، يبدو أن خفض الضرائب سيبقى موضوعًا مركزيًا في الجدل السياسي خلال الفترة القادمة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات المحلية.
بين الحوافز الاقتصادية والمخاوف من العجز المالي، تجد الحكومة النرويجية نفسها أمام تحدٍ معقّد: كيف تُخفف العبء عن المواطن دون أن تمسّ جوهر دولة الرفاه؟
الجدل مستمر، والخط الفاصل بين الإصلاح والمجازفة لا يزال قيد التفاوض.
